jeudi, mai 27, 2004

إسرائيل تهدي للعرب مجزرة رفح

انظر الصور

إسرائيل تهدي للعرب مجزرة رفح
القمة التي ...

سبق أن كتبنا في مقال سابق عن القمة العربية التي لم تقم ولن تقوم لها قائمة.. الآن، وبعد شهرين من الأخذ والرد، انعقدت قمة "الأمل" مخيبتا كل الآمال التي كانت عند بعض من كانت لديهم بذرة أمل في" زعماء" العرب.. وتأكد بالملموس أنه لن تقوم لقمة العرب أية قائمة، و تأكد بما لا يدعو مجالا للشك أن الزعماء وجامعتهم العربية صاروا مسخرة على لسان شعوبهم، ومادة دسمة في حديث كل المحللين والمراقبين، بل وحتى لرسامي الكاريكاتير!

انعقدت إذن قمة العرب بمن حضر من العرب، وكانت ظاهرة الغياب والانسحاب والمغادرة أهم ما ميز القمة! لم يحضر أشغال جلسة الافتتاح كاملة سوى إثنا عشر زعيما بعد انسحاب "الزعيم" الليبي في بدايتها. بينما غادر المؤتمر قبل الجلسة الختامية خمسة زعماء، أما المتغيبون فهم تسعة مثلهم الوزراء! هذه هي القمة التي كانت من المفترض أن تجمع شمل العرب..تعهدوا وتعاهدوا وتوافقوا، وكان قرار الإصلاح الداخلي ختاما لوثيقة العهد والوفاق. وغاب التنديد الشديد اللهجة على الجرائم الوحشية للعدو الصهيوني في فلسطين، وغابت القرارات المؤيدة للمقاومة ولإحياء جبهة الدفاع المشترك، كما غاب الإعلان عن الدعم اللوجستيكي للمقاومة.. أما العراق، بلد الحضارة والتراث، فقد ترك لتستباح أرضه وعرضه وماله! واكتفت القمة بالكلام المباح!فكان إعلان تونس والبيان الختامي، عبارة عن إقرار لوثيقة عهد ووفاق وتضامن بين قادة الدول العربية.. وحديث عن مسيرة التطوير والتحديث في الوطن العربي.. وحلم بالتجارة العربية البينية..لقد عرفت قمة تونس بكثرة المبادرات المقدمة، وكان الحديث قبل ذلك عن مبادرة الشرق الأوسط الكبير المقدمة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، المبادرة التي تركت آثارا وسلكت على منوالها مقترحات أخرى قدمت مجزأة، فكانت مبادرة الأمين العام للجامعة التي تضمنت تسعة مشاريع في إطار الإصلاح وهي البرلمان العربي ومجلس الأمن العربي ومحكمة العدل العربية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي وإستراتيجية التكامل الاقتصادي العربي وبنك التنمية والاستثمار العربي وآلية اتخاذ وتنفيذ القرار ونظام الجزاءات والعقوبات في حالة عدم الالتزام بالقرارات، إضافة إلى مجلس عربي أعلى للثقافة.ثم المبادرة المصرية التي تربط فيها مصر بين الإصلاح السياسي في العالم العربي وبين الثقافة المحلية والتقاليد الدينية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وترحب بالتعاون مع الدول الصديقة المستعدة للتفاعل على أساس من الندية الكاملة وعدم محاولة فرض نموذج معين وتجنب ما يتعارض مع التوجهات المنبثقة من الثقافة والدين والقومية.بينما أكدت المبادرة الثلاثية المشتركة بين مصر والسعودية وسوريا أن الزعماء العرب يستهدفون استنهاض المواطنين عن طريق توسيع المشاركة السياسية وإنجاز الإصلاحات الضرورية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكن المبادرة لم تشر إلى الديمقراطية، ولا إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة.لتبقى المبادرة الأمريكية التي عرفت باسم "الشرق الأوسط الكبير" والتي تقوم أولوياتها على الإصلاح عبر تنمية المنطقة، هي أصل كل المبادرات الأخرى المقدمة والتي تتحدث عن الديمقراطية عبر تشجيع الانتخابات الحرة، و الحكم الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق داخله التنمية، والأفراد الذين يتمتعون بتعليم جيد هم أدوات التنمية، والمبادرة في مجال الأعمال هي ماكينة التنمية. مع التركيز على مكافحة الفساد وإصلاح التعليم...الأمر الذي لخصه إعلان تونس وثمنه البيان الختامي في مجمل نقاطه بالإطلاع على محتويات ما أقره الزعماء الحاضرون الغائبون، يتأكد لكل سادج أن الاستمرار في الرضوخ للإملاءات الأمريكية، والمطالبة بالتزام اتفاقيات السلام - أو بالأحرى الاستسلام- أمام العدو الصهيوني، ما هي إلا انبطاحات جديدة في وقت تتشبث فيه الشعوب بخيار المقاومة.لقد أبانت مقررات المؤتمر العجز الرسمي العربي، وحتى إن التزمت بما أسمته القمة " التطوير والتحديث والإصلاح"، فهل سنشهد في المستقبل القريب استقالات جماعية للمسؤولين العرب وإقرارهم بالعجز وفضحهم للمؤامرات الطويلة التي هم مساهمون فيها؟هل سنشهد إصلاحا في سياساتنا الداخلية ونعيش الحرية والديمقراطية التي توصل إلى محاكمة وعزل الزعيم؟ وهل التنمية التي أكد وتعاهد وتوافق عليها الزعماء، ستؤدي إلى محاسبة الزعماء الذين يتحكمون في أرزاق شعوبهم من خلال التحكم في خيرات بلدانهم؟ هل سيكون بوسعنا مطالبة الزعماء وكل من يتربع على كرسي من ذهب أن يعيد للشعب ما للشعب؟ لقد توافق وتعاهد العرب على تعزيز الممارسة الديمقراطية وتوسيع المشاركة في المجال السياسي والشأن العام، وتعزيز دور مكونات المجتمع المدني كافة في المشاركة، ودعم برامج التنمية الشاملة وتكثيف الجهود الرامية إلى الارتقاء بالأنظمة التربوية، وتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، وتكريس قيم التضامن والتكافل، ثم الإسهام في إطار الجهود الدولية المبذولة لمكافحة ظاهرة الإرهاب.. يجب إذن أن نستبشر خيرا، على الأقل فإن حالنا الداخلي - بعد تعهد وتعاهد وتوافق – مجمع الزعماء، سيكون على ما يرام إن شاء الله، وما ذلك على الله بعزيز.. وبعد ذلك يمكن أن نمعن النظر في واقع حالنا مع أعدائنا !! يقول الله العزيز في منزل تحكيمه( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) "الرعد 11". صدق الله العلي العظيم، وصدق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قال: " يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ». فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ». فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ « حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ .

تاريخ النشر : 27/05/2004

lundi, mai 24, 2004

المغرب وإسبانيا.. علاقات إلى أين؟


المغرب وإسبانيا.. علاقات إلى أين؟

علاقات متشابكة ومعقدة تاريخيا، هيمنة إسبانية ونفوذ داخل الاتحاد الأوربي، سياسة ديبلوماسية مغربية دون المستوى، مصالح شخصية تعصف بالصالح العام، سياسة تفتقر إلى النضج السياسي الذي يخدم مصالح البلدين، وغياب محاور مغربي جــاد.. فهل يمكن الحديث اليوم عن علاقات ثنائية مثمرة، علاقات يطبعها جو التعايش والتفاهم.. وهل يمكن الحديث عن إمكانية إنضاج الرؤى حول القضايا المصيرية المشتركة، خصوصا وأن إسبانيا دخلت عهدا جديدا مع حكومة اشتراكية ربما تكون متفهمة لسياسة الحوار والجوار أكثر من سابقتها اليمينية؟

يتحدث العديد من المراقبين السياسيين على أن العلاقات المغربية الإسبانية في تحسن مستمر، وأنه حان الوقت لتدارك الوقت الضائع، في إشارة إلى فترات التوتر السياسي بسبب موقف إسبانيا السلبي من قضية الصحراء المغربية، وبسبب الموقف ذاته من المنتجات الفلاحية والصيد البحري، فضلا عن قضية جزيرة تورة التي خيمت على أجواء العلاقات المغربية الإسبانية في وقت سابق من السنة ما قبل الماضية (يوليوز 2002).فقد شهدت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، توترا عرف بالأطول من نوعه في العلاقات الثنائية إبان حكم اليمين، وكانت الأزمة الدبلوماسية الأولى التي تركت آثارها السلبية على البلدين لما يزيد عن خمسة عشر شهرا ! وتوجت بانعقاد اجتماع اللجنة العليا المغربية الإسبانية المشتركة، ثم بعد ذلك بلقاءات كان يخيم عليها جو عدم الثقة وعدم الانفتاح على قضايا مصيرية مشتركة بين البلدين.إن المتتبع لتاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، لا يمكنه تجاهل الموقف الاستعماري لإسبانيا في تعاملها مع المغرب، وذلك منذ الحقب التاريخية الاستعمارية الأولى، حيث قسم المغرب إلى نفوذ استعماري برتغالي، إسباني، فرنسي.. وبدت الأطماع الإسبانية في استغلال المغرب سياسيا واقتصاديا، واضحة منذ الفترات الأولى للاستقلال..كما لا يخفى على المتتبع وجود لوبي اقتصادي يتحكم في السياسة الاقتصادية الإسبانية التي تروم نهب خيرات المغاربة دون أي وازع أخلاقي، ودون أية مراعاة للمصالح الاقتصادية المشتركة.. الأمر الذي ولد حقدا وخطابا عنصريا تجاه المغرب والمغاربة.فمنذ نهاية القرن الخامس عشر، عملت السياسة الاستعمارية الإسبانية على تكريس الجانب العنصري في تعاملها مع المغرب، وعملت أسباب تاريخية وعاطفية، كما أكد على ذلك المؤرخ الإسباني مارتان كوراليس في كتابه – صورة المغربي في إسبانيا - " على تشكيل صور للمغربي في الوعي الجمعي الإسباني تقوم على أفكار مسبقة مسيئة وعنصرية وغير أخلاقية "، إضافة إلى أن الهزيمة التاريخية للأسبان في حرب أنوال، كانت السبب – حسب الكتاب - في إعادة حفر الذاكرة الجمعية الإسبانية للتنقيب عن تلك الأفكار المسيئة للمغرب.
كما أكد "مارتان كوراليس"، أنه بعد عودة الصحراء إلى الوطن الأم وجلاء آخر جندي إسباني عنها، فإنه لم يكن من المستغرب خصوصا بعد هذا العمل الطويل في تحضير الرأي العام الإسباني على كراهية المغرب والمغاربة، معاينة الغالبية الكبرى من المجتمع الإسباني تعبر عن تعاطفها مع "البوليساريو" .
أما باقي الملفات ( الصيد البحري، المطالب المغربية في السيادة على سبته ومليلية، وانتفاضة المغاربة في المدينتين المحتلتين ضد قانون الأجانب لسنة 1986)، فقد وظفت جميعها كحجج من أجل الزيادة في الإساءة لصورة المغربي .كما لا يمكن لأي متتبع لمسار العلاقات المغربية الإسبانية تجاوز الحديث عن ملف مدينتي سبته ومليلية المحتلتين من طرف إسبانيا.. ولا يمكنه في نفس الآن تجاوز الزوبعة التي اختلقتها إسبانيا في صيف 2002 باحتلالها لجزيرة تورة التي توجد داخل المياه الإقليمية المغربية، تلك التي قال عنها "أزنار" في كتابه الأخير الذي تناول فيه الحديث عن أزمة جزيرة ليلى، بأنها كانت مفتعلة وبعلم الولايات المتحدة الأمريكية!
ففي الوقت الذي تعمل فيه إسبانيا جاهدة، التقدم بمفاوضاتها مع التاج البريطاني من أجل استرجاع صخرة جبل طارق، نراها ترفض الحديث عن احتلالها للأراضي المغربية، بل والتأكيد على أن سبته ومليلية، أراضي إسبانية ! التصريح الذي أكدته وزيرة الخارجية الإسبانية في الحكومة اليمينية السابقة " أنا بالاثيو"، في لقاء لها مع قناة الجزيرة في 19 يوليوز 2002 على هامش احتلال إسبانيا لجزيرة تورة، حيث أكدت حينها الدبلوماسية الإسبانية اليمينية، أن كل شيء قابل للمباحثات إلا قضية سبته ومليلية اللتان اعتبرتهما إسبانيتين بدون أي منازع!!فإذا كانت الجغرافيا تؤكد بالواقع الملموس أن المدينتين المحتلتين الواقعتين ضمن خارطة المغرب الجغرافية، مغربيتان، فإن التاريخ والجغرافيا يؤكدان معا أن " تورة" التي جيشت من أجلها إسبانيا سابقا مروحياتها وبارجتها الحربية، وعملت على أن يبقى الوضع في الجزيرة كما كان عليه من قبل، صخرة مغربية باعتراف كل المراجع الإسبانية فضلا عن المغربية.. وفي ذلك، سبق للمؤرخة الإسبانية " ماريا روزا دي مادرياغا " أن أكدت في تقرير لها أن جزيرة تورة –ليلى- " لم تكن أبدا جزءَ من الثغور الواقعة تحت السيادة الإسبانية، وإنما كانت خاضعة لنظام الحماية بحيث أنه عند استقلال المغرب عام 1956، أصبحت الجزيرة جزءَ من الدولة المغربية المستقلة "، الأمر الذي يظهر ويفضح الطابع الاستعماري للسياسة اليمينية في إسبانيا التي جاءت أحداث انفجارات مدريد لتفضح اليمين المتطرف وتجعله يندحر في الانتخابات، وبالتالي ليصعد اليسار الذي يبدو أن له سياسة داخلية وخارجية مختلفة عن سابقتها. الأمر الذي تأكد على الخصوص مع سحب الجيش الإسباني من العراق مباشرة بعد تولي " ثاباتيرو" الاشتراكي مقاليد الحكم، ثم في إعادة تمتين الأواصر مع المغرب.
اليوم، وبعد التغيير الحاصل في إسبانيا، وبعد إعادة فتح العلاقات الثنائية، وعلى الرغم من تورط مغاربة مغرر بهم في تفجيرات 11 مارس، وأمام ما ينتظر المنطقة من تحولات اقتصادية بالدرجة الأولى مع انفتاح الأسواق.. صار من الضروري البحث عن أرضية اتفاق مشتركة بين البلدين، وبالتالي صار المغرب وإسبانيا مدعوان إلى التفاهم لحل المشاكل الثنائية، سواء تعلق الأمر بمجالات الهجرة والصيد والفلاحة ـ اقتصاديا ـ، أو ما تعلق بالملفات العالقة سياسيا: ( موقف إسبانيا من ملف الصحراء المغربية، قضية سبته ومليلية وباقي الجزر، ومسألة ترسيم الحدود البحرية.. ) وذلك حتى يمكن تسجيل رغبة إسبانيا في مناقشة وحل كل الإشكالات العالقة مع المغرب. فهل يمكن إدراج اتفاق البلدين على تشكيل مجموعتين مشتركتين مكلفتين بالتعاون الاقتصادي والعلاقات بين المجتمع المدني في البلدين، بمثابة خطوة في هذا الإطار، سيما إذا علمنا أن مصالح المغرب من إسبانيا أكثر وسيكون لها وقع إيجابي على الاقتصاد المغربي؟..فإسبانيا تحتل الآن المرتبة الثامنة في اقتصاديات العالم، والمرتبة الخامسة أوروبيا. وقد حققت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، نسبة نمو اقتصادي تعتبر من أعلى النسب في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ذلك تمكّنت من خفض نسبة البطالة وتحقيق توازن ماليتها العموميّة. وتمثل حركة التبادل التجاري مع البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 70% من التجارة الخارجيّة الإسبانية...
كل ذلك يؤدي طبعا إلى الإقرار بأن هناك حضورا اقتصاديا في المغرب، سواء على مستوى المبادلات التجارية، أو من ناحية الاستثمار وإن قلت نسبته في عهد حكومة اليمين. هذا، دون أن نغفل حجم المديونية الإسبانية المترتبة على المغرب والتي تقدر بـ 13 مليار درهم حولت إسبانيا أجزاء منها إلى استثمارات بموجب ثلاث اتفاقيات.إن المغرب وإسبانيا الآن تحدوهما معا رغبة أكيدة في تجاوز المشاكل التي تحول دون تقدم العلاقة بينهما نحو الأحسن بسبب الاختلافات البينة في التعامل مع القضايا العالقة (مطالبة المغرب بتصفية الاحتلال الإسباني لسبته ومليلية وباقي الجزر المتوسطية، وترسيم الحدود البحرية خاصة في منطقة جزر الخالدات، وتعديل موقف إسبانيا المنحاز لأطروحات الجزائر حول الصحراء المغربية، بالإضافة إلى قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي ومرور السلع المغربية عبر التراب الإسباني).فبالنظر إلى واقع الأمور، نجد أن مشكلتين قائمتين تؤثران على العلاقة بين البلدين:
مشكلة الهجرة ومشكلة الصحراء المغربية. والظاهر أن اهتمام إسبانيا بمشكلة الهجرة أكثر من اهتمامها بقضية الصحراء، الأمر الذي تأكد بالمحاولات الإسبانية الجديدة لمعالجة ملف الهجرة بمقاربة اقتصادية أكثر شمولية.أما قضية الصحراء المغربية، فإن موقف الحكومة الجديدة يميل إلى مسألة الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية.ينضاف إلى هاذين الملفين مشكلة ما أصبح يصطلح عليه في القاموس السياسي الدولي بــ" محاربة الإرهاب".. هذا الملف الذي صار يشكل نقطة التقاء بالنسبة لجميع الدول. ولعل الملاحظ هو أنه عندما يتم الحديث عن الإرهاب، فإن الإشارة تصبح واضحة: الإسلام والمنظمات الأصولية..
فبالنظر إلى واقع المجتمع الإسباني، نجد أن إسبانيا وجدت نفسها أمام تنامي أعداد من يعتنقون الإسلام بها، ما دفعها إلى العمل على إيقاف تنامي المد الإسلامي في الأراضي الإيبيرية، تلك التي كانت في يوم من الأيام أراض إسلامية يقف التاريخ شاهدا عليها باللغة والآثار، وبأسماء المدن والأحياء حتى..إن الحديث الآن عن تطور العلاقات المغربية الإسبانية في ظل التطورات الحاصلة، يكون سابقا لأوانه، وذلك على الرغم من تغير الوجوه السياسية، لا بل تغير الأفكار السياسية..لكن الموقف الرسمي الإسباني الجديد يظهر بعض المرونة تجاه المغرب على الأقل اقتصاديا. فهناك بروتوكول اتفاقية تحرير المبادلات الزراعية مع الاتحاد الأوربي التي دخلت حيز التطبيق مع بداية العام الجديد، ومسألة منح المغرب رخصة التنقيب على البترول في الجهة البحرية ما بين طنجة و العرائش لشركة "ريبصول" الإسبانية، واستئناف المحادثات بخصوص دراسة مشروع الربط القار بين المغرب وإسبانيا، وتشجيع الاستثمار الإسباني في المغرب..إن واقع الأمور يتطلب التقاء مغربيا إسبانيا على كل الأصعدة، ولم يبق هناك مجال لأي تنازلات أو مساومات بما أن المصالح مشتركة، وبما أن العامل التاريخي والجغرافي، إلى جانب التقارب الاقتصادي والسياسي.فإذا كانت هناك نية فعلية إلى إعادة علاقات جدية بين الشعبين والبلدين الجارين، فهذا يتطلب الاعتراف للمغرب بسيادته على أراضيه، ومن دون إغفال لأي ملف من الملفات المشتركة. وإذا كان الارتياح المعلن عنه من خلال الإعلان عن إعادة المياه إلى مجاريها، فذلك لأن المغرب فعلا يعتبر أن غياب علاقات طبيعية بينه وبين إسبانيا، لن يمكن إلا من المزيد من تأزم الوضع سياسيا واقتصاديا، الأمر الذي سينعكس سلبا على المصالح المشتركة.
إن التركيز على المستقبل وتجاوز الخلافات، يقتضي إرادة سياسية فعلية، والروابط التاريخية والجغرافية والثقافية وحسن الجوار بين البلدين، لن يكون لها أي معنى في غياب تنسيق من خلال لجان عمل دائمة مكلفة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية، والعلاقات بين المجتمع المدني في كلا البلدين. هذا إضافة إلى الإعلان عن التخلي عن التعامل بالمنطق الاستعماري من الجانب الإسباني.بقي على الديبلوماسية المغربية إذن، أن تضطلع بدورها، وتعمل على تذويب الجليد المتراكم في العلاقات الثنائية المغربية الإسبانية. وغالبا ما يؤكد المسؤولون الإسبان على غيــاب محاور مغربي جــاد.. الأمر الذي يزيد من تأزم الوضع في ظل أجواء تحتم على البلدين تقاربا أكبر..

24/05/2004

vendredi, mai 21, 2004

سياسة طبقية ليس إلا


حينما يتحدثون عن الأجور العليا والدنيا
سياسة طبقية ليس إلا

طفا في الآونة الأخيرة على الساحتين السياسية والاجتماعية، حديث تتداول أطرافه مجالس العامة والخاصة.. حديث يؤرق بال العامل والموظف البسيط، ويزيد من تكريس الفوارق الاجتماعية التي صارت مظاهرها بادية للعيان أكثر من أي وقت مضى: أجور عليا وامتيازات وعيش رغيد، وتفقير وتجهيل وحرمان وتعطيل..إنه الواقع الأليم الذي صارت تعيش على إيقاعه الملايين من الفئات المغتصب حقها، بينما علية القوم يرغدون في بحبوحة العيش الكريم..

لاشك أن الأمر يدخل في باب "وفضلنا بعضهم على بعض في الرزق" كما سبق لأحدهم أن أجابني به في إحدى اللقاءات الصحفية، وبالمناسبة فهو الآن وزير محترم ! .. لكن، وبالنظر إلى واقع الأمور، هل يعقل أن نزيد في دخل علية القوم ونجعلهم أباطرة المال، بينما غالبية الشعب يتلظى بنار الفقر وبلظى الحرمان؟إن المتتبع لمسار " العدالة الاجتماعية" التي طالما تحدث عنها المسؤولون في بلدنا الحبيب، لن يكون بوسعه القفز عن هذه الهوة الفاحشة، حيث المزيد من تكريس سياسة إغناء الغني وتفقير الفقير.. ولعل الحديث الذي يدور حاليا في دواليب مراكز القرار حول الزيادة في الأجور العليا، والرفع من مستوى التعويضات، ومنح المزيد من الامتيازات للفئات العليا فقط، خير دليل على أن السياسة الاجتماعية التي تنهجها "حكومتنا الموقرة"، سياسة واضحة المعالم!.. سياسة قوامها المزيد من التحقير والتبضيع لكل المحرومين.. وبالنظر إلى تكاليف المعيشة التي لا تتوقف عن الارتفاع، وحسب المعطيات المتوفرة، فإن الموظف والعامل البسيط الذي لا يزيد دخله عن الحد الأدنى للأجور، هو في صراع يومي من أجل البقاء! ويعيش واقعا أقل ما يمكن أن يوصف به، واقع كارثي.. أما من هم في أسفل سلم " السلم الاجتماعي"، نسأل الله لنا ولهم الثبات وحسن الختام.

منذ مدة ونحن نسمع الدوائر الرسمية تتحدث عن مراجعة منظومة الأجور، وعن إحداث لجان للتدقيق، وأخرى للبحث والتقصي ورفع التقارير.. لكن؛ ومع توالي المسؤولين سواء في الحكومات أو في التشريع، يزيد التأكيد على أن الاستغلال ومناصب النفوذ، لا يمكن لها إلا أن تكرس واقعا سماته الأساسية الجشع والدفاع عن المصالح الشخصية لا غير، الأمر الذي لمسناه في المقترح القاضي بضرورة الزيادة في أجور "كبار" القوم من الموظفين والبرلمانيين..إن السياسات الطبقية التي تعمل على تحديد الأجور، سياسة لن تزيد بلادنا إلا انحدارا وتهميشا للمواطن البئيس، ولن تعمل أبدا على تحقيق العدالة الاجتماعية التي يحلو للبعض التغني بها؛ بل ولن تزيد الوضع إلا تأزما وانفجارا في واقع صار مهيئا للانفجار في أي وقت وحين.هذه السياسة الطبقية التي ترسمها لوبيات الاحتكار، أدت في مجملها إلى جعل سياسة الأجور تعرف فحشا فاق كل الحدود، بحيث تجاوز في كثير من الأحيان المتعامل به في البلدان الغربية. وهكذا نرى أن الفارق بين دخل الموظف البسيط والموظف السامي يتجاوز الـ40 مرة، هذا دون احتساب التعويضات والحوافز التي تكون خارج إطار الراتب الشهري الأساسي.

وقد أكدت المعطيات أن هناك اختلالات وتمييزا بين مختلف هيئات الموظفين، وبأن هناك تضخما كبيرا على مستوى التعويضات، وفارقا شارخا بين أجور موظفي الدرجات العليا والدرجات الدنيا.. إضافة إلى استفحال ظاهرة الامتيازات التي تفوق في أحيان كثيرة الراتب الأساسي بـ10 مرات! إلى جانب ذلك، نجد أن وزير المالية الذي تقدم، أمام لجنة المالية في مجلس النواب يوم الثلاثاء 11 ماي الجاري، بعرض في الموضوع، كان عرضه ملتبسا ويكتنفه الكثير من الغموض. ولم يتناول قضية الأجور العليا إلا من باب العموميات عوض التفاصيل، ورفض الكشف عن المستور.. ولعل المستور الكامن في التعويضات الخاصة بوزارة المالية والتي تعتبر من أكبر التعويضات، هي التي جعلت وزير المالية يبقى في دائرة الغموض.

من الملاحظ أن بعض الأحزاب السياسية صارت تطالب بوضع سياسة جديدة للأجور العليا، وهناك أصوات أخرى تنادي بوضع قانون يكون بمثابة "دستور" يجعل راتب الوزير الأول أعلى أجر في الدولة.. وأصوات تنادي بإلغاء التعويضات والامتيازات.. بل هناك من ذهب إلى تبني عريضة تحتوي على مليون توقيع ضد الزيادة في أجور علية القوم..وأمام كل هذه الأصوات، وجب التذكير بأن أكثر من 10 ملايين مغربي يعيشون فقرا مدقعا، بمعنى أن هذا العدد الذي يساوي ثلث ساكنة المغرب لا يتجاوز دخله اليومي الـ10 دراهم! وبأن أكثر من ثلاثة أرباع المغاربة العاملين أجورهم دون الحد الأدنى! وبأن جيوشا من المتخرجين سنويا ينضافون إلى لوائح العاطلين، وعددا من الدكاترة والمهندسين معطلون.. إن نهج سياسة عادلة في مجال الأجور، هي الكفيلة بجعل الموظف والعامل أكثر تحفيزا على الانخراط في التنمية. ولا يمكن بناء مستقبل مجتمعي يسوده الرخاء والطمأنينة، دون ضمان عيش كريم لكل فئات المجتمع.ولعل طلب العيش الكريم لا يتطلب اعتماد أجور خيالية، بل بالتخلي عن الأجور والتعويضات والامتيازات الخيالية التي تمنحها الدولة لفئة قليلة، وبالالتزام بعدم نهب أموال الشعب، وبالرجوع إلى روح التربية التي تعتمد مبدأ القناعة.. يمكن تحقيق العدل والرخاء الاجتماعي .

تاريخ النشر : 21/05/2004

lundi, mai 10, 2004

المغرب وإسبانيا.. علاقات إلى أين؟


حسن اليوسفي
علاقات متشابكة ومعقدة تاريخيا، هيمنة إسبانية ونفوذ داخل الاتحاد الأوربي، سياسة ثنائية مثمرة، علاقات يطبعها جو التعايش والتفاهم.. وهل يمكن الحديث عن إمكانية إنضاج الرؤى حول القضايا المصيرية المشتركة، خصوصا وأن إسبانيا دخلت عهدا جديدا مع حكومة اشتراكية ربما تكون متفهمة لسياسة الحوار والجوار أكثر من سابقتها اليمينية؟ يتحدث العديد من المراقبين السياسيين على أن العلاقات المغربية الإسبانية في تحسن مستمر، وأنه حان الوقت لتدارك الوقت الضائع، في إشارة إلى فترات التوتر السياسي بسبب موقف إسبانيا السلبي من قضية الصحراء المغربية، وبسبب الموقف ذاته من المنتجات الفلاحية والصيد البحري، فضلا عن قضية جزيرة تورة التي خيمت على أجواء العلاقات المغربية الإسبانية في وقت سابق من السنة ما قبل الماضية (يوليوز 2002). فقد شهدت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، توترا عرف بالأطول من نوعه في العلاقات الثنائية إبان حكم اليمين، وكانت الأزمة الدبلوماسية الأولى التي تركت آثارها السلبية على البلدين لما يزيد عن خمسة عشر شهرا ! وتوجت بانعقاد اجتماع اللجنة العليا المغربية الإسبانية المشتركة، ثم بعد ذلك بلقاءات كان يخيم عليها جو عدم الثقة وعدم الانفتاح على قضايا مصيرية مشتركة بين البلدين.
إن المتتبع لتاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، لا يمكنه تجاهل الموقف الاستعماري لإسبانيا في تعاملها مع المغرب، وذلك منذ الحقب التاريخية الاستعمارية الأولى، حيث قسم المغرب إلى نفوذ استعماري برتغالي، إسباني، فرنسي.. وبدت الأطماع الإسبانية في استغلال المغرب سياسيا واقتصاديا، واضحة منذ الفترات الأولى للاستقلال.. كما لا يخفى على المتتبع وجود لوبي اقتصادي يتحكم في السياسة الاقتصادية الإسبانية التي تروم نهب خيرات المغاربة دون أي وازع أخلاقي، ودون أية مراعاة للمصالح الاقتصادية المشتركة.. الأمر الذي ولد حقدا وخطابا عنصريا تجاه المغرب والمغاربة.
فمنذ نهاية القرن الخامس عشر، عملت السياسة الاستعمارية الإسبانية على تكريس الجانب العنصري في تعاملها مع المغرب، وعملت أسباب تاريخية وعاطفية، كما أكد على ذلك المؤرخ الإسباني مارتان كوراليس في كتابه – صورة المغربي في إسبانيا - " على تشكيل صور للمغربي في الوعي الجمعي الإسباني تقوم على أفكار مسبقة مسيئة وعنصرية وغير أخلاقية "، إضافة إلى أن الهزيمة التاريخية للأسبان في حرب أنوال، كانت السبب – حسب الكتاب - في إعادة حفر الذاكرة الجمعية الإسبانية للتنقيب عن تلك الأفكار المسيئة للمغرب. كما أكد "مارتان كوراليس"، أنه بعد عودة الصحراء إلى الوطن الأم وجلاء آخر جندي إسباني عنها، فإنه لم يكن من المستغرب خصوصا بعد هذا العمل الطويل في تحضير الرأي العام الإسباني على كراهية المغرب والمغاربة، معاينة الغالبية الكبرى من المجتمع الإسباني تعبر عن تعاطفها مع "البوليساريو" . أما باقي الملفات ( الصيد البحري، المطالب المغربية في السيادة على سبته ومليلية، وانتفاضة المغاربة في المدينتين المحتلتين ضد قانون الأجانب لسنة 1986)، فقد وظفت جميعها كحجج من أجل الزيادة في الإساءة لصورة المغربي . كما لا يمكن لأي متتبع لمسار العلاقات المغربية الإسبانية تجاوز الحديث عن ملف مدينتي سبته ومليلية المحتلتين من طرف إسبانيا.. ولا يمكنه في نفس الآن تجاوز الزوبعة التي اختلقتها إسبانيا في صيف 2002 باحتلالها لجزيرة تورة التي توجد داخل المياه الإقليمية المغربية، تلك التي قال عنها "أزنار" في كتابه الأخير الذي تناول فيه الحديث عن أزمة جزيرة ليلى، بأنها كانت مفتعلة وبعلم الولايات المتحدة الأمريكية! ففي الوقت الذي تعمل فيه إسبانيا جاهدة، التقدم بمفاوضاتها مع التاج البريطاني من أجل استرجاع صخرة جبل طارق، نراها ترفض الحديث عن احتلالها للأراضي المغربية، بل والتأكيد على أن سبته ومليلية، أراضي إسبانية ! التصريح الذي أكدته وزيرة الخارجية الإسبانية في الحكومة اليمينية السابقة " أنا بالاثيو"، في لقاء لها مع قناة الجزيرة في 19 يوليوز 2002 على هامش احتلال إسبانيا لجزيرة تورة، حيث أكدت حينها الدبلوماسية الإسبانية اليمينية، أن كل شيء قابل للمباحثات إلا قضية سبته ومليلية اللتان اعتبرتهما إسبانيتين بدون أي منازع!! فإذا كانت الجغرافيا تؤكد بالواقع الملموس أن المدينتين المحتلتين الواقعتين ضمن خارطة المغرب الجغرافية، مغربيتان، فإن التاريخ والجغرافيا يؤكدان معا أن " تورة" التي جيشت من أجلها إسبانيا سابقا مروحياتها وبارجتها الحربية، وعملت على أن يبقى الوضع في الجزيرة كما كان عليه من قبل، صخرة مغربية باعتراف كل المراجع الإسبانية فضلا عن المغربية.. وفي ذلك، سبق للمؤرخة الإسبانية " ماريا روزا دي مادرياغا " أن أكدت في تقرير لها أن جزيرة تورة –ليلى- " لم تكن أبدا جزءَ من الثغور الواقعة تحت السيادة الإسبانية، وإنما كانت خاضعة لنظام الحماية بحيث أنه عند استقلال المغرب عام 1956، أصبحت الجزيرة جزءَ من الدولة المغربية المستقلة "، الأمر الذي يظهر ويفضح الطابع الاستعماري للسياسة اليمينية في إسبانيا التي جاءت أحداث انفجارات مدريد لتفضح اليمين المتطرف وتجعله يندحر في الانتخابات، وبالتالي ليصعد اليسار الذي يبدو أن له سياسة داخلية وخارجية مختلفة عن سابقتها. الأمر الذي تأكد على الخصوص مع سحب الجيش الإسباني من العراق مباشرة بعد تولي " ثاباتيرو" الاشتراكي مقاليد الحكم، ثم في إعادة تمتين الأواصر مع المغرب.
اليوم، وبعد التغيير الحاصل في إسبانيا، وبعد إعادة فتح العلاقات الثنائية، وعلى الرغم من تورط مغاربة مغرر بهم في تفجيرات 11 مارس، وأمام ما ينتظر المنطقة من تحولات اقتصادية بالدرجة الأولى مع انفتاح الأسواق.. صار من الضروري البحث عن أرضية اتفاق مشتركة بين البلدين، وبالتالي صار المغرب وإسبانيا مدعوان إلى التفاهم لحل المشاكل الثنائية، سواء تعلق الأمر بمجالات الهجرة والصيد والفلاحة ـ اقتصاديا ـ، أو ما تعلق بالملفات العالقة سياسيا: ( موقف إسبانيا من ملف الصحراء المغربية، قضية سبته ومليلية وباقي الجزر، ومسألة ترسيم الحدود البحرية.. ) وذلك حتى يمكن تسجيل رغبة إسبانيا في مناقشة وحل كل الإشكالات العالقة مع المغرب. فهل يمكن إدراج اتفاق البلدين على تشكيل مجموعتين مشتركتين مكلفتين بالتعاون الاقتصادي والعلاقات بين المجتمع المدني في البلدين، بمثابة خطوة في هذا الإطار، سيما إذا علمنا أن مصالح المغرب من إسبانيا أكثر وسيكون لها وقع إيجابي على الاقتصاد المغربي؟.. فإسبانيا تحتل الآن المرتبة الثامنة في اقتصاديات العالم، والمرتبة الخامسة أوروبيا. وقد حققت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، نسبة نمو اقتصادي تعتبر من أعلى النسب في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ذلك تمكّنت من خفض نسبة البطالة وتحقيق توازن ماليتها العموميّة. وتمثل حركة التبادل التجاري مع البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 70% من التجارة الخارجيّة الإسبانية. .. كل ذلك يؤدي طبعا إلى الإقرار بأن هناك حضورا اقتصاديا في المغرب، سواء على مستوى المبادلات التجارية، أو من ناحية الاستثمار وإن قلت نسبته في عهد حكومة اليمين. هذا، دون أن نغفل حجم المديونية الإسبانية المترتبة على المغرب والتي تقدر بـ 13 مليار درهم حولت إسبانيا أجزاء منها إلى استثمارات بموجب ثلاث اتفاقيات. إن المغرب وإسبانيا الآن تحدوهما معا رغبة أكيدة في تجاوز المشاكل التي تحول دون تقدم العلاقة بينهما نحو الأحسن بسبب الاختلافات البينة في التعامل مع القضايا العالقة (مطالبة المغرب بتصفية الاحتلال الإسباني لسبته ومليلية وباقي الجزر المتوسطية، وترسيم الحدود البحرية خاصة في منطقة جزر الخالدات، وتعديل موقف إسبانيا المنحاز لأطروحات الجزائر حول الصحراء المغربية، بالإضافة إلى قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي ومرور السلع المغربية عبر التراب الإسباني). فبالنظر إلى واقع الأمور، نجد أن مشكلتين قائمتين تؤثران على العلاقة بين البلدين: مشكلة الهجرة ومشكلة الصحراء المغربية. والظاهر أن اهتمام إسبانيا بمشكلة الهجرة أكثر من اهتمامها بقضية الصحراء، الأمر الذي تأكد بالمحاولات الإسبانية الجديدة لمعالجة ملف الهجرة بمقاربة اقتصادية أكثر شمولية. أما قضية الصحراء المغربية، فإن موقف الحكومة الجديدة يميل إلى مسألة الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية. ينضاف إلى هاذين الملفين مشكلة ما أصبح يصطلح عليه في القاموس السياسي الدولي بــ" محاربة الإرهاب".. هذا الملف الذي صار يشكل نقطة التقاء بالنسبة لجميع الدول. ولعل الملاحظ هو أنه عندما يتم الحديث عن الإرهاب، فإن الإشارة تصبح واضحة: الإسلام والمنظمات الأصولية.. فبالنظر إلى واقع المجتمع الإسباني، نجد أن إسبانيا وجدت نفسها أمام تنامي أعداد من يعتنقون الإسلام بها، ما دفعها إلى العمل على إيقاف تنامي المد الإسلامي في الأراضي الإيبيرية، تلك التي كانت في يوم من الأيام أراض إسلامية يقف التاريخ شاهدا عليها باللغة والآثار، وبأسماء المدن والأحياء حتى.. إن الحديث الآن عن تطور العلاقات المغربية الإسبانية في ظل التطورات الحاصلة، يكون سابقا لأوانه، وذلك على الرغم من تغير الوجوه السياسية، لا بل تغير الأفكار السياسية..
لكن الموقف الرسمي الإسباني الجديد يظهر بعض المرونة تجاه المغرب على الأقل اقتصاديا. فهناك بروتوكول اتفاقية تحرير المبادلات الزراعية مع الاتحاد الأوربي التي دخلت حيز التطبيق مع بداية العام الجديد، ومسألة منح المغرب رخصة التنقيب على البترول في الجهة البحرية ما بين طنجة و العرائش لشركة "ريبصول" الإسبانية، واستئناف المحادثات بخصوص دراسة مشروع الربط القار بين المغرب وإسبانيا، وتشجيع الاستثمار الإسباني في المغرب.. إن واقع الأمور يتطلب التقاء مغربيا إسبانيا على كل الأصعدة، ولم يبق هناك مجال لأي تنازلات أو مساومات بما أن المصالح مشتركة، وبما أن العامل التاريخي والجغرافي، إلى جانب التقارب الاقتصادي والسياسي.
فإذا كانت هناك نية فعلية إلى إعادة علاقات جدية بين الشعبين والبلدين الجارين، فهذا يتطلب الاعتراف للمغرب بسيادته على أراضيه، ومن دون إغفال لأي ملف من الملفات المشتركة. وإذا كان الارتياح المعلن عنه من خلال الإعلان عن إعادة المياه إلى مجاريها، فذلك لأن المغرب فعلا يعتبر أن غياب علاقات طبيعية بينه وبين إسبانيا، لن يمكن إلا من المزيد من تأزم الوضع سياسيا واقتصاديا، الأمر الذي سينعكس سلبا على المصالح المشتركة. إن التركيز على المستقبل وتجاوز الخلافات، يقتضي إرادة سياسية فعلية، والروابط التاريخية والجغرافية والثقافية وحسن الجوار بين البلدين، لن يكون لها أي معنى في غياب تنسيق من خلال لجان عمل دائمة مكلفة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية، والعلاقات بين المجتمع المدني في كلا البلدين. هذا إضافة إلى الإعلان عن التخلي عن التعامل بالمنطق الاستعماري من الجانب الإسباني. بقي على الديبلوماسية المغربية إذن، أن تضطلع بدورها، وتعمل على تذويب الجليد المتراكم في العلاقات الثنائية المغربية الإسبانية. وغالبا ما يؤكد المسؤولون الإسبان على غيــاب محاور مغربي جــاد.. الأمر الذي يزيد من تأزم الوضع في ظل أجواء تحتم على البلدين تقاربا أكبر.